القاسم بن إبراهيم الرسي

488

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

منها . وكذلك التمسك ببعض الدنيا ومقتها ، دليل ممن فعله على إكرام الآخرة ومحبتها ، وعلى قدر يقين أولياء اللّه بما عظّم من أمر الآخرة وأمورها ، زهدوا في الدنيا فاستقلوا - جهدهم - من متاع غرورها ، فتبلغوا إلى اللّه بالعلق « 1 » ، واكتفوا من نعيمها باللعق « 2 » ، إكبارا لما وجدوه فيها إجلالا للّه من السخط ، ولما عليه العباد فيها من الإعراض عن أمر اللّه والفرط ، ولما « 3 » رأوا الباطل يسمو علوّا ، وحق اللّه فيها معطلا مجفوا ، صحبوا أيام حياتهم بالحرق « 4 » والزفرات ، وهجروا ما أحل اللّه لهم فيها من الطيبات ، وأعرضوا من الدنيا عما أعطاهم ، ولم يعطه من أهل الدنيا بتحليله له سواهم ، ولم يجعله حلالا « 5 » فيها إلا لمن اهتدى إلى اللّه فيه هداهم ، وأيقن فيها باللّه يقينهم ، ودانه في إيثار الحق دينهم ، فحقيق بذلك منهم لسخطهم فيها على من أسخط ذا الجلال والإكرام ، أولا تعلم - أغناك اللّه - أن من أسخط لنفسه « 6 » الآدميين ليشتغل عن كثير من المطعم والمشرب والكلام ، لما هو فيه من الشغل بحرقه وأسفه وسخطه ، حتى ربما ذهب سخط بعضهم في ذلك بعقله لفرطه ، فكيف بمن سخط وغضب لرب الأرباب ومغاضبه ؟ أليس ذلك أولى بالقليل في تنعمه ومطاعمه ومشاربه ؟ بلى إنه لأولى بذلك ، وأحق ممن كان كذلك ، ولذلك أزكى عند اللّه وأرضى ، وأوجب في الفرض لو كان من اللّه فرضا ، ولكنه سبحانه لرحمته بالمؤمنين وإحسانه إليهم ، ورأفته بهم وتحننه « 7 » عليهم ، جعل ذلك لهم سبحانه تطوعا ونافلة ، وفيما بينهم وبينه فضائل لهم كاملة ، فقال جل ثناؤه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا

--> ( 1 ) العلق : جمع علقة . وهي : ما فيه بلغة من الطعام إلى وقت الغذاء . وقال اللحياني : ما يأكل فلان إلا علقة . أي : ما يمسك نفسه من الطعام . ( 2 ) اللّعق : جمع لعقة . وهي : الشيء القليل من الطعام . ( 3 ) في ( د ) : فلما . ( 4 ) الحرق : جمع حرقة . وهي : ما يجده الإنسان من لذعة حب ، أو حزن ، أو طعم شيء فيه حرارة . ( 5 ) من هذا أخذت المطرفية أن ما أخذه العصاة من الرزق لا يسمى رزقا . ( 6 ) في ( د ) : لنفسه من الآدميين . ( 7 ) في ( ب ) : ومحبته .